أرضية ندوة: أسئلة الذاكرة المشتركة ورهانات التحول الديمقراطي في بلدان شمال إفريقيا

img

تعرف منطقة شمال إفريقيا منذ أكثر من عقدين تحولات عميقة مست بنياتها المجتمعية والسياسية والثقافية، وقد ازدادت هذه التحولات حدة  مع ما سمي ربيعا عربيا ، بينت دوافعه وجود حاجة قوية لتحول ديمقراطي من شأنه تحقيق آمال الشعوب في ضمان عيش كريم ، وعدالة اجتماعية، وأمن إنساني ، ورغم أن وثيرة هذا التحول تتباين من قطر إلى آخر  إلا أن ما يوحدها هو الإحساس المشترك بوجود إمكانات هائلة لم توظف في الاتجاه المطلوب لأنها ظلت مرتبطة بالنزوعات القطرية، والتي يتحقق فيها التحول بجرعات موجهة ومحددة تستجيب للحظات انتعاش المطالب دون أن يرتبط ذلك بأبعاد استراتيجية ، ودون العمل على استثمار روحها الجماعية القادرة على جعل دينامية التحول أكثر قوة وفعلا.

إن هذه الملامح العامة للتحولات عرفت مدا وجزرا، لكنها لم تمنع من تقوية الإحساس الجماعي بأهمية البعد الوحدوي للمنطقة، وتجاوز الكلفة الكبيرة التي تؤديها بلدانها جراء عدم تفعيل الوحدة التي كانت دوما طموحا نظرت له الكتابات، ونظمت من أجله المؤتمرات واللقاءات والندوات. وتستحضر ذاكرة الشعوب بحنين جارف مؤتمر طنجة (27 – 30 أبريل 1958) الذي شكل محطة بارزة في تعميق وعي شعوب المنطقة بالمصير المشترك، وحلمها بتكامل الجهود  والتوحد  من  أجل  استكمال  تحرير  البلدان المغاربية.

وإذا كان طموح التحرر أواخر خمسينيات القرن الماضي قد ارتبط  بالتخلص من ربقة الاحتلال والاستعمار، فإنه اليوم مرتبط بطموح التنمية والديمقراطية والحكامة الجيدة، ومعالجة قضايا التعدد الثقافي، وقيم حقوق الإنسان وفق ما يخدم تقدم شعوب المنطقة، ويتجاوز حالات الاحتقان الممكنة، ويوحد الجهود والإمكانات المتعددة. وفي هذا الإطار فإن استحضار قيم الذاكرة ودروسها سيكون مفيدا في استخلاص العبر من أجل استشراف مستقبل مفعم بالتقدم والتوحد.ذلك أن أحلام الشعوب لا تتحقق بناء على الطموحات المشروعة (فقط)، بل إنها تتحقق بناء على القراءة العميقة لمعطيات الواقع أولا، وعلى التدبير الأمثل لها ثانيا ، وعلى التفعيل العملي لكل ذلك. ولهذا فإن طموح توحيد الجهود ينبغي أن يتجاوز لحظة الأحلام اللذيذة ليصبح أكثر واقعية، وأكثر فعالية ؛ ولأن الأمر يتعلق بمطلب مجتمعي فإن إنجازه رهين بتفاعل أدوار مختلف الفاعلين في المنطقة المطالبين بصياغة استراتيجية متكاملة لبناء وحدوي ديمقراطي  تتأسس لبناته على تفاعل وتكامل أدوار المجتمع المدني و الحقوقي و المثقفين و الفنانين في التعبير عن آلام و أمال المجتمعات في شمال إفريقيا ، مع العمل على  بناء علاقات ذات مرجعيات حقوقية و مدنية و إنسانية بين  المنظمات غير الرسمية ، وبناء شبكات تواصل بين  النخب الفنية و الفكرية والحقوقية لإعلاء صوت الشعوب ،و لإسماع نبضات مجتمعاتها في التحرير و الديمقراطية والكرامة والسلم و الاستقرار كي تحقق ما تصبو إليه ، وتتجاوز العراقيل التي تحول دون تواصلها ، والتأكيد على الأهمية القصوى  للعمل الثقافي و دور الذاكرة في رفض الانغلاق و التطرف، وإبراز التعدد والتنوع في مكونات الهويات مع العمل على تكريس قيم القبول بالاختلاف ، وتدبير التعدد بالآليات الديمقراطية والحوارية.

إن التحولات الكبيرة التي عرفتها المنطقة خلال العقد الأخير تجعل مطلب تغيير زوايا النظر وآليات التحليل أولوية منهجية ومضمونية مع استحضار تام للذاكرة بآمالها وآلامها؛ لأنها تساعد على توجيه بوصلة المستقبل في الاتجاه الصحيح، ذلك أن الذاكرة جزء لايتجزأ من دعم استراتيجية التحول في الاتجاه الإيجابي، فالشعوب التي لاتستحضر ماضيها مدانة بتكراره، وهو تكرار لا يعيد الإيجابي فقط، بل يجر معه سلبيات المواقف والتصورات أيضا؛ تلك التي شكلت جزءا من المعوقات  التي عرقلت المشاريع الإيجابية، وكانت كابحة لطموحات التنمية والديمقراطية والوحدة المنتجة ؛ وحدة المتعدد والمتنوع والمختلف.

إن بلدان شمال إفريقيا في حاجة، اليوم، إلى خطاب واقعي يتجاوز المزايدات السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية. فهي في حاجة إلى الإجابة عن أسئلة تعددها اللغوي والثقافي، وكيفية إعادة بنائه على أسس ديمقراطية تجعله أكثر انصهارا في بوثقة موحدة واختيارية، كما أنها في حاجة إلى تحديد نموذجها التنموي الأمثل، وربط التنمية بالحرية في إطار بشري منتج، مع إنجاز تصورات تتجاوز الهشاشة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية، وابتكار صيغ متقدمة ومنفتحة لمحاربة التطرف بمختلف أشكاله، ذلك أن التحول الديمقراطي ليس وصفة جاهزة كما علمتنا ذاكرة الشعوب، لذلك فإنه يحتاج إلى استراتيجية وطنية وإقليمية لايكون فيها المحيط القريب مناوشا أو معاديا أو معرقلا، بل يكون منخرطا ومندمجا ، وكي يكون الأمر كذلك فإن استراتيجية هذا البناء الديمقراطي تتطلب إعادة قراءة “التجارب السياسية لبلدان شمال إفريقيا في ماضيها القريب ، وراهنها المعاصر. ومعنى ذلك أن الذاكرة ستكون حاضرة دون أن تكون موجهة ومتحكمة؛ لأنها إن فعلت ذلك سنصبح ضمن مقاربة تقدس الماضي بشكل يكلس التفكير، ويمنعه من الاستشراف، ويعرق التحول.

تستدعي قضايا التحول في شمال إفريقيا استحضار أسئلة من قبيل :

    • ما نوع القضايا والمجالات ذات الأولوية (سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا)؟؛
    • ما  الإكراهات الموضوعية التي تواجهها شعوب المنطقة من أجل تحقيق ما تطمح إليه؟؛
    • اي أدوار يمكن للفاعلين المدنيين والمثقفين والإعلاميين  القيام بها من أجل الدفع بالتحولات التي تعرفها المنطقة في الاتجاه الإيجابي؟؛
    • ما مقومات الاستراتيجية  الفاعلة القادرة على التمكين لبناء شبكة التواصل بين نخب دول شمال إفريقيا  في أفق توحيد الرؤى والمواقف من طبيعة التحولات التي تعرفها المنطقة؟
    • ما السبل المساعدة على  إعادة بناء حلم طنجة بشكل يجعله معاصرا، ومعنيا بالقضايا ذات الأولوية بالمنطقة؟
    • ما الإجراءات التي يتطلبها دعم تجارب المصالحة  و الانتقال الديمقراطي في المنطقة؟؛
    • ما طبيعة التجارب والمؤسسات التي  ينبغي الانفتاح عليها  في أفق  الاستفادة  من الآليات التي سمحت لها بتحقيق الغايات المرجوة؟؛
    • ما المقاربات المعرفية التي تسمح باستثمار أمثل للذاكرة الجماعية وفق ما يساهم في ربطها ببناء المستقبل واستتباب السلم، وتوطيد أواصر التعاون بين الشعوب والبلدان ارتكازا على قيم التكامل والتنوع والتعدد والاختلاف”؟

طنجة في 26 – 27 – 28 مارس 2016

مواضيع متعلقة

اترك رداً