ملف الريف: الشجاعة الضرورية

img

عبدالسلام بوطيب

لم يعد الريف / “الأسطورة”، بفعل اثر تجربة الإنصاف والمصالحة التي قبل بها المغاربة برمتهم، بيمينهم ويسارهم، تلك البقرة “الحلوب نضاليا”، والوحيدة المتبقية في الوطن.  ولم يعد الريفيون أولئك “الأبطال” الذين أريد لهم البعض أن يقبضوا لوحدهم على قرون البقرة ليحلبها غيرهم مقابل احتفاظهم بلقب “أبطال الأبطال ، أبناء ……كذا وكذا … : من ما قبل كسيلة إلى ابن عبدالكريم، والى …..”  .

فقد كشفت التجربة المغربية في العدالة الانتقالية  أن  الريف  بلاد مثل باقي بقاع الوطن،  وأن ما أصابها- من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان – أصاب الوطن برمته نتيجة عدم نضج الطبقة السياسية بجميع أطيافها آنذاك، ونتيجة سيادة الأوهام الثورية القومجية المروجة لها حينئذ. و أن العدالة الانتقالية أجود وأحسن ما وصلت إليه الإنسانية إلى اليوم   لمعالجة الماضي السياسي الأليم وامتداداته الاقتصادية والاجتماعية. وأن جبر الضرر الجماعي- الذي يعتمد أساسا على الذكاء الجماعي للضحايا في تفاعلهم مع الدولة هو صيغة للبحث عن الحلول   للالتحاق الاقتصادي و التنموي بباقي ربوع الوطن. وأن مسلسل المصالحة برمته مسلسل طويل ومعقد، ويتطلب كثير من صبر الحكماء.

إلا أن سوء صدف الأحداث- أي  “مقتل” المرحوم فكري أخيرا بالطريقة البشعة ولا إنسانية التي ” قتل” بها،  وقبل ذلك تفاعل أهل الريف الأوسط مع أحداث كثيرة عاش الوطن على إيقاعها، منها ما ورثتها المنطقة عن حركة 20 فبراير ومثيلاتها  التي صنعت في مختبرات دولية بحسابات سياسية دقيقة  ، و التي سخرت لها   مؤسسات إعلامية ومالية  الكبيرة  وماكينات إيديولوجية تنهل من كثير من النصوص الدينية و السياسية جلها نصوص رجعية  قرووسطية،  و كثير منها يكفر بالتجارب الديمقراطية هنا وهناك، وبالتجارب التي تكثف  رمزية  الكرامة، و الاعتداد بالنفس، وبالمواطنين الفقراء، خاصة في شمال إفريقيا وبعض من الشرق الأوسط – (أقول أن سوء الصدف هذه)  عمقت الإيمان  لدى عامة الناس بالمنطقة،  خاصة من لم يكتب له أن ينهل ويشرب من معين  مدرسة التحليل الملموس للواقع الملموس –   بقدر المنطقة السياسي، وبالأساطير المروجة لها محليا، مؤكدة بذلك خلاصات الدراسات التي انتهت إلى أن” الأسطورة السياسية هي التفسير الأيديولوجي لظاهرة سياسية – اجتماعية، ولوقائع الصدف التي  تؤمن بها جماعة اجتماعية”.

واليوم، وأمام استمرار “الحراك الشعبي” بمنطقة الريف ، وبخاصة منطقة الحسيمة ، لمدة تزيد  عن ستة أشهر دون أن يبدو في الأفق أي حل “جذري” للمشاكل التي يطالب بها قادة هذا “الحراك” – الذين يفتقدون إلى أدنى إمكانية ومقومات للتحليل السياسي والاقتصادي  والاجتماعي لواقعهم، والفاقدين لأي رقم أو إحصاء يمكن أن يفيدهم   ويفيد الدولة  في إيجاد الحلول العاجلة   لمطالبهم، عكس    من سبقوهوم إلى ساحة النضال زمن سنوات الرصاص وزمن المصالحة و الذين لم يكن لهم حظ الاستفادة  من  ثورة الاتصال والوسائط الاجتماعية، من الضروري الإقرار أن معضلة المنطقة ليست   اقتصادية واجتماعية  عمقتها الجغرافية والجيومورفولوجيا فقط، بل هي كذلك مشاكل نفسية واجتماعية جمعية مرتبطة بطبيعة الاستحضار الفردي والجماعي للذاكرة الفردية و الجماعية،  وأخرى انتروبولوجية مرتبطة بمفهوم الزعامة والقيادة لدي الأفراد والجماعات.

وبطبيعة الحال ، فأمام :

1 – عدم تحقيق  كل المطالب المرفوعة هنا و الآن ،لأنه أمر مستحيل ماليا واقتصاديا وسياسيا،

2- وأمام ازدياد التضامن الوطني والعالمي، خاصة من طرف المهاجرين المغاربة  الذين يعتبرون   تواجدهم   بديار الغربة جزء من العقاب الجماعي الذي تعرض له الريف. والذين لهم طريقة خاصة في استحضار ذاكرتهم الفردية والجماعية في نضالهم الاجتماعي و السياسي،  ( وهو بالمناسبة ورش فشلت فيه هيئة الإنصاف و المصالحة فشلا ذريعا)

إذا، فأمام عدم تحقيق المطالب وازدياد التضامن فان نسبة الحماسة، و النفخ في الذات سترتفع إلى مستويات عليا، وهنا ستقع بعض المنزلقات التي ستكون كارثية على تجربتنا الديمقراطية الفتية ، و سترجع المنطقة – لا قدر الله- سنوات إلى الوراء.

ما الحل اذا؟

قبل الإجابة، من الضروري الإقرار ب:

– أن كافة محطات النضال الكبرى- بدأ من 1956 الى اليوم – التي عرفتها المنطقة انتهت إلى مواجهة قوية بين السكان والدولة، و أن النتائج كانت كارثية على السكان والمنطقة وسمعة الدولة .

  • من الضروري الإقرار ثانيا أن المحطة النضالية الوحيدة التي انخرطت فيها كل النخب الريفية هي معركة الإنصاف والمصالحة، والتي اعتبرها شخصيا “أم المعارك” التي احتكمنا فيها لأول مرة إلى الذكاء الجماعي،
  • من الضروري الإقرار ثالثا أن الصورة النمطية السيئة التى تكونت لدى بعض الأمنيين عن ساكنة المنطقة ما زالت مستمرة، وأن كثيرون ممن يعرفون شؤون ذلك يقرون أن هناك تقارير على المنطقة تقوم على التوجس والشك في وطنية أهل الريف، وهو كذلك تمرين فشلنا فيه زمن الإنصاف والمصالحة عندما لم نستطع أن نذهب بعيدا في حقل الحكامة الأمنية.
  • والإقرار رابعا أن المطالب الاقتصادية و الاجتماعية التي يرفعها شباب الحراك اليوم، هي نفسها المطالب التي كنا قد كثفناها في مطلب جبر الضرر الجماعي.

لذا في اعتقادي أن الحل “لمعضلة الريف اليوم” ثنائي، فلأول يجب أن نبحث عنه لدي الدولة، والثاني يجب أن نبحث عنه في إطار استمرار المصالحة مع المنطقة في الشق المتعلق بجبر الضرر الجماعي:

لذا – ففي الشق الأول –  على الدولة  / الحكومة أن تتفاعل ايجابيا  مع المطالب الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والأمنية للساكنة – مع  بعض التمييز الايجابي بالنظر إلى مستوى تدهور التاريخي للأوضاع بالريف- ،  وأن لا تقدم لهم أي وهم، لان ذلك سيعمق المشاكل في المستقبل القريب، وستكون عواقبه  وخيمة. و أن تستمر في النقاش مع  المؤسسات السياسية والنقابية والمدنية بحثا على تعاقد جديد بين الدولة والمجتمع.

وفي الشق المتعلق باستمرار مسلسل المصالحة والبحث عن السبل الأنجع لجبر الضرر الجماعي، من الضروري إطلاق ورعاية  نقاش محلي واسع بين النخب السياسية والمدنية والأكاديمية والتربوية والمالية والاقتصادية والمؤسسات الحقوقية والاقتصادية  الوسيطة حول أنجع  السبل  لإخراج المنطقة وساكنتها  من الوضعية الاقتصادية والاجتماعية الحالية، وهو نقاش يجب أن يكون بمثابة الشوط الثاني من نقاش جبر الضرر الجماعي للمنطقة، مع ربط التنمية بالحكامة الأمنية. علما أن جبر الضرر الجماعي هو احد  أهم توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وهي الهيئة التي اشرف علي تأسيسها جلالة الملك، وأرادها   تجربة دولية رائدة، ولا ضير أن نقف اليوم عند نواقصها حتى تكون رائدة في محيطها الإقليمي.

وبين هذا الورش وذاك، من الضروري كذلك إطلاق مشاريع تربوية وثقافية وسوسيو- اجتماعية مستعجلة بالنظر إلى التغيير الديمغرافي الذي عرفته المنطقة في السنين الأخيرة. وفي الأمد المتوسط، التأسيس لمؤسسة تشتغل على إعداد تصور  جديد للذاكرة الجماعية والجمعية مبني على أسس إعمال العقل، وليس على الانفعالات التي لا تتماشى ورهانات المغرب الاجتماعية والسياسة. والتي تساهم في الرقي  بالتعامل مع أسئلة الماضي العالقة من اجل ترسيخ ثقافة مواطنة وجعل التاريخ المشترك قاطرة للتنمية الشاملة.

 

 

 

مواضيع متعلقة

اترك رداً